صالون الرأي
صراع «المكلا».. وأوهام تطويق الأمن القومي المصري
By m kamalيناير 07, 2026, 20:32 م
67
بينما تنشغل المنطقة بملفات مشتعلة هنا وهناك، تشهد «المكلا» اليمنية ومنطقة القرن الإفريقى فصلاً جديدًا من فصول «لعبة الأمم» الكبرى ، ما يحدث اليوم ليس مجرد تباين فى وجهات النظر بين حلفاء الأمس، بل هو صراع إرادات ومشاريع تتصادم فوق رقعة شطرنج ممتدة من موانئ حضرموت مرورًا بسواحل «صومالى لاند» ووصولاً إلى «أدغال السودان».
فى المقال السابق تحدثت عن عام «مُر» يمر، ولكن يبدو أنه أبى أن يمر دون أن يزيدنا من المر «مُر»، وها هى «المكلا» المكلومة، صورة جديدة من صور «الصراع العربى العربى الصامت»، أما فى هذا المقال أحاول أن أدخل معكم العام الجديد بمحاولة غوص بسيطة فى كواليس تلك المواجهة «العربية – العربية» والمخططات الإسرائيلية – الإثيوبية لاختراق البحر الأحمر، والدور المصرى المحورى فى تفكيك هذه الألغام، التى تستهدف قناة السويس وشريان النيل.
فى الساعات الأخيرة من عام 2025، لم تكن سماء ميناء «المكلا» اليمنى مجرد مسرح لعملية عسكرية خاطفة، بل كانت إعلانًا صريحًا عن مواجهة استراتيجية طال كتمانها، الضربة الجوية السعودية التى استهدفت شحنات عسكرية إماراتية لم تكن «نيران صديقة» بأى حال، بل كانت صرخة مدوية فى وجه مشروع «دولة عربية» توهمت أن بمقدورها ابتلاع الجغرافيا الديموغرافية والتاريخية للمنطقة العربية، ومع اليوم الجديد فى 2026، ومع إعلان «شقيقتنا العربية» اضطراريًا إنهاء وجودها العسكرى فى اليمن، يسقط القناع عن سنوات من الاستخدام الخاطئ لمليارات الدولارات، وشبكات المرتزقة والميليشيات، التى تم جلبها لتنفيذ أجندة مشبوهة، ويستجلى الفهم، بأن ما حدث فى «المكلا» ليس مجرد صراع محلى، بل هو صراع على من يملك «مفتاح» الدخول إلى بحر العرب وتأمين طرق التجارة بعيدًا عن تهديدات الحوثيين فى مضيق باب المندب، وفتش هنا عن أصابع هى فى الأصل «صهيونية» وليست «عربية».
فى خضم هذا الصراع أو الزلزال إن صح تسميته، تقف مصر فى قلب المشهد، لا كراصد فحسب،
بل كقائد لجبهة الرفض العربى لمشــــاريع التفتيت، ولقد كان بيان وزارة الخارجية، قاطعًا:
«لا مساس بوحدة الصومال، ولا شرعية لكيانات انفصالية، وندعم وحدة الأراضى اليمنية والسودانية دون قيد أو شرط».
الأمن القومى لا يتجزأ، هذا أمر ثابت ومقدس بالنسبة للقاهرة.. والتحركات المصرية الأخيرة فى جيبوتى، إريتريا، والصومال، تعكس إدراكًا عميقًا بأن أى تلاعب فى «جنوب البحر الأحمر» هو تهديد مباشر لقناة السويس، لذلك فإن المخطط الحاصل والدائر، الذى يهدف لإنشاء «كماشة» من الكيانات الانفصالية (المجلس الانتقالى فى اليمن، وصوماليلاند فى القرن الإفريقي)، يستهدف دون شك وضع الملاحة الدولية تحت رحمة محور معادٍ ليس لمصر فقط أو السعوديــــــة وحدها بل للعروبة كلها، والدولة المصريــــة وقيادتها الوطنية الرشـــــيدة أدركت مبكرًا خطــــــورة هذه التحركات، فانتقلت من مرحلــــة «الدبلوماسية الهادئة» إلى «التحــرك الاســـتراتيجى الشامل».
مصر تعلم وتعى جيدًا أن أمن نهر النيل يبدأ من استقرار الخرطوم، وأن أمن قناة السويس يبدأ من تأمين مضيق باب المندب وبحر العرب ، لذا فإن التصدى المصرى لمحاولات انفصال الفاشر وكردفان ليس تدخلاً فى شأن داخلى، بل هو دفاع عن حياة المصريين، والدولة المصرية وقيادتها فى هذا الشأن «مبتهزرش».
لذلك نرى القاهرة اليوم تقود جبهة عريضة للتصدى لمخططات التفتيت، فهناك تحالف مصرى سعودى قوى، وتقارب تركى يبرز مؤخرًا، لتظهر قوة دفع فى مواجهة المشاريع التوسعية لإثيوبيا وحلفائها، وضمان أمن استقرار البحر الأحمر، كما أنها ترفض – وأقصد القاهرة – بشكل قاطع أى تعامل مع الكيانات الموازية فى السودان، وتصر على دعم المؤسسات الشرعية (القوات المسلحة السودانية) لمنع سقوط الدولة فى التقسيم أو الاقتتال الداخلى المستمر، كما أن القاهرة تحرص على تأمين القرن الإفريقى لذلك تظهر التحركات المصرية الأخيرة فى الصومال وإريتريا وجيبوتى لترسل به رسالة واضحة لكل من يحاول العبث بأمن البحر الأحمر: «المجال الحيوى المصرى خط أحمر لا يقبل القسمة».. و«الأمن القومى لا يتجزأ»، كما أن مصر، بتحركاتهــــا الدبلوماسية النشطة فى القرن الإفريقى وتنسيقها العسكرى مع الرياض، ترسل رسالة واضحة أيضا مفادها: «عهد الوكالة انتهى».
وتكثيف مصر وقيادتها من الجهود الدولية والعربية لتجفيف منابع تمويل الميليشيات، إما لأنها تعلم جيدًا أن التأخر فى مواجهة هذه الميليشيات ومن يدعمها فى السودان يعنى «شراسة لا مثيل لها»، لكن مع سقوط حجر الدومينو الأول فى اليمن، بدأ «الاحتضار» الفعلــى للمخطــط المفضوح فى السودان أيضًا، وفى ذلك أرى أن من يصيغ سياسة «شقيقتنا العربية» قد يجيد المناورة، لكنه عجز عن مواجهة «حقائق التاريخ» التى تؤكد أن الدول الصغيرة لا يمكنها ابتلاع القوى العظمى المحيطة بها.
إن المواجهة فى المكلا، والصراع فى السودان، والمؤامرات فى القرن الإفريقى، كلها خيوط فى ثوب واحد يهدف إلى إضعاف القوى الكبرى فى المنطقة وتفتيت المقسم، لكن الوعى المصرى، مدعومًا بتنسيق استراتيجى مع الرياض وأنقرة، هو الضمانة الوحيدة لإفشال مخطط «الفوضى المنظمة»، الذى تقوده أطراف دولية وإقليمية.
إن معركة البحر الأحمر هي معركة السيادة، ومصر، كما كانت دائمًا، هى صمام الأمان الذى يتحطم عليه طموح كل مغامر يحاول المساس بمقدرات هذه الأمة، ما بدأ فى المكلا يجب أن ينتهى باستعادة السودان لسيادته، واليمن لوحدته، والصومال لسلامة أراضيه.
ما حدث ما هو إلا «سطر أسود» فى كتاب التاريخ العربى وسيطوى أو يمحى مع الوقت، لتعود المنطقة لأصحابها وأمنها واستقرارها، بعيدًا عن أحلام الهيمنة، وأطنان الدماء الطاهرة البريئة التى ملأت شوارع الخرطوم وعدن، وغيرها من العواصم والمدن العربية المكلومة.
حفظ الله الجيش.. حفظ الله الوطن