https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5059544888338696

رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

من الجولات المفاجئة إلى غلق المصحات غير المرخصة.. «تحركات وزارية» لضبط «المنظومة الصحية»

51

رجاء ناجي

في مشهد يتكرر بوتيرة لافتة خلال الأشهر الأخيرة، باتت الجولات المفاجئة لنائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، د. خالد عبد الغفار، عنوانًا لتحرك حكومي مباشر داخل المنشآت الصحية، بالتوازي مع حملات رقابية موسعة أسفرت عن غلق مئات العيادات والمصحات غير المرخصة، لا سيما في ملف علاج الإدمان والصحة النفسية. هذا التحرك المكثف يطرح سؤالًا جوهريًا هل نحن أمام سياسة تصحيح مسار حقيقية للمنظومة الصحية؟ أم مجرد استجابة آنية لأزمات متراكمة؟

جولات بلا إخطار

من مستشفى 6 أكتوبر المركزي، إلى سنورس بالفيوم، ثم الواسطى ببنى سويف، جاءت جولات وزير الصحة بلا ترتيب مسبق، كاشفة عن فجوة واضحة بين التقارير الورقية والواقع اليومى داخل بعض المستشفيات.

فى 6 أكتوبر المركزي، لم يُخفِ الوزير استياءه من مستوى الخدمة، ووجّه باستكمال أعمال التطوير فى جميع الأقسام، مع قرار البدء فى تنفيذ مستشفى جديد بالكامل على أرض الموقع الحالي، فى اعتراف صريح بأن الحل لم يعد «ترقيعيًا».

أما فى مستشفى سنورس المركزي، فكان الغياب الوظيفى هو العنوان الأبرز، حيث أُحيل المتغيبون عن العمل فى العيادات الخارجية والصيدلية إلى التحقيق بعد تعطل الخدمة خلال ساعات العمل الرسمية، فى خطوة تعكس تشديدًا غير معتاد على الانضباط الوظيفى داخل المستشفيات العامة.

وفى الواسطى المركزي، امتد التفقد إلى مستوى النظافة والأمن، مع توجيهات بمراجعة العقود ورفع الكفاءة العامة، فى إشارة إلى أن جودة الخدمة لا تنفصل عن الإدارة والبنية التشغيلية.

غلق المصحات غير المرخصة

بالتوازى مع هذه الجولات، فجّر فيديو «الهروب الجماعي» من مصحة غير مرخصة بالمريوطية واحدة من أخطر القضايا المسكوت عنها: تحويل علاج الإدمان إلى تجارة بلا رقابة.

تحرك وزارة الصحة جاء سريعًا، وأثبتت التحقيقات أن المنشأة غير مرخصة، وتمارس نشاطًا يُعد انتحالًا لصفة منشأة طبية، فى مخالفة صريحة لقانون المنشآت الطبية غير الحكومية وقانون الصحة النفسية.

الأخطر أن هذه الواقعة ليست استثناءً، إذ كشفت بيانات رسمية أن عام 2025 وحده شهد إغلاق مئات المنشآت المخالفة، من بينها أكثر من 112 منشأة فى النصف الأول من العام، و40 مركزًا إضافيًا فى يوليو وأكتوبر، ما يعكس حجم السوق غير الرسمى الذى نما على حساب معاناة المرضى.

الإدمان بين نقص العلاج وسوق سوداء

وتكشف هذه الإغلاقات عن مفارقة مؤلمة: تزايد معدلات الإدمان، خاصة مع انتشار المخدرات التخليقية، فى مقابل محدودية المراكز العلاجية المجانية، وارتفاع تكلفة المصحات الخاصة التى تتراوح بين مراكز شعبية بلا معايير، وأخرى “فندقية” بأسعار خيالية.

فى هذا الفراغ، تنشط كيانات غير مرخصة، تقدم “علاجًا” يقوم فى كثير من الأحيان على الاحتجاز أو الإهمال أو ممارسات لا تمت للطب بصلة، ما يحوّل المريض من شخص يحتاج الرعاية إلى ضحية جديدة داخل منظومة مختلة.

قانون ممارسة المهنة

وضمن هذا السياق، يأتى تشكيل اللجنة العليا لتنظيم ممارسة العلاج النفسى لغير الأطباء النفسيين كخطوة مكملة لحملات التفتيش، تهدف إلى ضبط من يحق له تقديم العلاج النفسي، ومنع الممارسات العشوائية التى توسعت فى السنوات الأخيرة.

اللجنة، التى تضم نخبة من أساتذة الطب النفسى وعلم النفس وممثلى الجهات المعنية، تمثل محاولة لإعادة الاعتبار للترخيص، والمؤهل، وأخلاقيات المهنة، فى مجال شديد الحساسية، طالما عانى من الفوضى والوصم المجتمعي.

تصحيح مسار

قراءة المشهد كاملًا تشير إلى أن ما يحدث يتجاوز “رد الفعل” إلى محاولة بناء مسار رقابى وتنظيمى أكثر صرامة. الجولات المفاجئة تكشف الخلل، والإغلاقات تردع المخالفين، وتفعيل القوانين يسد الثغرات القانونية.

لكن التحدى الحقيقى يظل فى الاستدامة هل تستمر هذه الحملات بنفس الزخم؟ وهل تُترجم القرارات إلى تحسين فعلى يشعر به المريض؟ وهل يتواكب الردع مع توسع حقيقى فى الخدمات، خاصة فى الصحة النفسية وعلاج الإدمان؟

فما تشهده المنظومة الصحية اليوم هو لحظة مواجهة صريحة مع سنوات من التراكمات.

جولات الوزير وحملات الغلق ليست غاية فى ذاتها، بل أدوات فى معركة أكبر عنوانها: استعادة ثقة المواطن فى الخدمة الصحية.

النجاح الحقيقى لن يُقاس بعدد القرارات أو المنشآت المغلقة، بل بقدرة الدولة على تحويل هذا الحراك الرقابى إلى إصلاح مؤسسى دائم، يضع المريض فى قلب المنظومة، ويحمى حقه فى علاج آمن، منظم، وإنساني.